السيد محمد تقي المدرسي
10
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وروح التقليد واحدة ، سواء عند الذين قلدوا الآخرين أو قلدوا آباءهم . فكلا الفريقين حرموا أنفسهم نعمة العقل ، ولم يعيشوا واقعهم الخاص بهم فضلوا في متاهات الجهل . وهل يختلف الذي لا يستخدم بصره عن الأعمى الذي لا بصر له ؟ كلا لأ نهما معا يضلان السبيل . كذلك الذين منعهم تقليد الغابرين أو تقليد الآخرين عن فهم متغيرات عصرهم وميزات واقعهم وخصائص حياتهم فلم يخططوا لها انهم لم يستضيئوا بنور عقولهم فلم تنفعهم شيئا كثيرا . وتتقارن - عادة - هذه الحالة مع ضياع شخصية اللأمة ، اوليست شخصية مجتمع أو طائفة تتحدد بميزاتها التي تحدده وبالخصائص التي تتمتع بها ، فماذا يبقى من شخصية من يتبع غيره ؟ بل إن هؤلاء يفقدون الثقة بعقولهم وعواطفهم وقيمهم وقومهم ولغتهم وسائر ما يتصل بهم . وما هو الأول وما هو الثاني ؟ فهل يفقد المجتمع شخصيته فيتبع الآخرين أم يقلدهم فيفقد بذلك شخصيته ؟ بالرغم من أن العلاقة بين الامرين جدلية ، إذ يؤثر كل واحد منهما في الثاني تأثيرا متقابلا ، الا ان البداية هي فقدان الشخصية . فمتى ما ضعفت ثقة الانسان بنفسه أحس بفراغ كبير فراح يفتش عما يسده واخذ يقلد آباءه حيناً ، ونظراءه أحيانا . وهكذا لا بد ان تبدء المعالجة من هذه النقطة فمن دون الثقة بالذات ، لاتبدء مسيرة الانسان الحضارية . والثقة بالذات تبدء هي الأخرى باكتشاف العقل ذاته لان أعظم ما في الانسان عقله ، فمن لم يكتشف هذه الموهبة الإلهية العظيمة ، ولم يعرف انه قادر على معرفة واقعه ، والتخطيط له ، انى له البحث عما ينفعه وما يضره ، وانى له الانتفاع بسائر نعم الله عليه من ثروة أو قوة أو فرصة ، وانى له الثقة بذاته . بلى بعد ان يبتعث العقل من سباته ، وينفض عن نفسه غبار الجمود والانطواء واحباطات الهزائم والنكسات . يؤمئذ يخطو الانسان على درب الحضارة ، إذ يحدد الهدف ومن خلاله يحدد